ابن كثير
229
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقوله وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ يعني الفقر والضيق في العيش ، وَالضَّرَّاءِ وهي الأمراض والأسقام والآلام ، لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ أي يدعون اللّه ويتضرعون إليه ويخشعون . قال اللّه تعالى : فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا أي فهلا إذ ابتليناهم بذلك ، تضرعوا إلينا وتمسكنوا لدينا ، ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ أي ما رقت ولا خشعت وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي من الشرك والمعاندة والمعاصي ، فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي أعرضوا عنه وتناسوه ، وجعلوه وراء ظهورهم ، فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون ، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم ، عياذا باللّه من مكره ، ولهذا قال حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أي من الأموال والأولاد والأرزاق ، أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً أي على غفلة ، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ أي آيسون من كل خير . قال الوالبي عن ابن عباس : المبلس الآيس ، وقال الحسن البصري : من وسع اللّه عليه فلم ير أنه يمكر به ، فلا رأي له ، ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له ، فلا رأي له ، ثم قرأ فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ قال : مكر بالقوم ورب الكعبة ، أعطوا حاجتهم ثم أخذوا ، رواه ابن أبي حاتم ، وقال قتادة : بغت القوم أمر اللّه ، وما أخذ اللّه قوما قط ، إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم ، فلا تغتروا باللّه ، فإنه لا يغتر باللّه إلا القوم الفاسقون ، رواه ابن أبي حاتم أيضا . وقال مالك عن الزهري فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ قال : رخاء الدنيا ويسرها ، وقد قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا يحيى بن غيلان ، حدثنا رشدين - يعني ابن سعد أبا الحجاج المهري - عن حرملة بن عمران التجيبي ، عن عقبة بن مسلم ، عن عقبة بن عامر ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إذا رأيت اللّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج » ثم تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ورواه ابن جرير « 2 » وابن أبي حاتم من حديث حرملة وابن لهيعة ، عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر به . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا عراك بن خالد بن يزيد ، حدثني أبي عن إبراهيم بن أبي عبلة ، عن عبادة بن الصامت ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول : إذا أراد اللّه بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف ، وإذا أراد اللّه بقوم اقتطاعا ، فتح لهم - أو فتح عليهم - باب خيانة ، حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ كما قال
--> ( 1 ) مسند أحمد 4 / 145 . ( 2 ) تفسير الطبري 5 / 193 .